حسن بن عبد الله السيرافي
80
شرح كتاب سيبويه
هذا باب ما يقدم فيه المستثنى وذلك قولك : ما فيها إلا أباك أحد . وما لي إلا أباك صديق . وزعم الخليل أنهم إنما حملهم على نصب هذا : أن المستثنى إنما وجهه عندهم أن يكون بدلا . ولا يكون مبدلا منه ؛ لأن الاستثناء إنما حده : أن تتداركه بعد ما تنفي فتبدله فلما لم يكن وجه الكلام هذا حملوه على وجه قد يجوز إذا أخرت المستثنى . كما أنهم حيث استقبحوا أن يكون الاسم صفة في قولهم : ( فيها قائما رجل ) حملوه على وجه قد يجوز لو أخرت الصفة وكان هذا الوجه أمثل عندهم من أن يحملوا الكلام على غير وجهه . وقال كعب بن مالك الأنصاري : الناس ألب علينا فيك ليس لنا * إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر " 1 " سمعناه ممن يوثق به ممن يرويه عن العرب . كراهية أن يجعلوا ما حد المستثنى أن يكون بدلا منه بدلا من المستثنى . ومثل ذلك : ما لي إلّا أباك صديق فإن قلت : ما أتاني أحد إلا أبوك خير من زيد . وما مررت بأحد إلا عمرو خير من زيد . كان الرفع والجر جائزا . وحسن البدل لأنك قد شغلت الرافع والجار ثم بدلته من المرفوع والمجرور ثم وصفت بعد ذلك . وكذلك : من لي إلا أبوك صديقا . لأنك أخليت ( من ) للأب ولم تفرده لأن يعمل كما يعمل المبتدأ . وقد قال بعضهم : ما مررت بأحد إلا زيدا خير منك وكذلك : من لي إلا زيدا صديق ، وما لي أحد إلا زيدا صديق . وكرهوا أن يقدموه وفي أنفسهم شيء من صفته إلا نصبا . كما كرهوا أن يقدم قبل الاسم إلا نصبا . وحدثنا يونس أن بعض العرب الموثوق بهم يقولون : ما لي إلا أبوك أحد . فيجعلون ( أحد ) بدلا كأنك قلت : ( لي أبوك صديقا ) . كما قلت ( من لي إلا أبوك صديقا ) حين جعلته مثل : ما مررت بأحد إلا أبيك خيرا منه . ومثله قول الشاعر وهو الكلحبة :
--> ( 1 ) البيت في ديوانه 209 ، وابن يعيش 2 / 79 ، والمقتضب 4 / 397 .